الفصل الخامس:
في قاعة الاستقبال في فندق سان لويسفي كازابلانكا جلست ثلاث
سيدات كل منهن منهمكة بشأن يخصها . فالأمريكيه مسز كالفين
بيكر
جالسه إلى مكتب صغير مقبله على تسطير بعض الرسائل .
والإنجليزيه مس هيذرنجتونمتراخيه في مقعد ضخم وبين يديها
إبرة التيركو تطرز جاكته من الصوف من النوع الذيتألف
السيدات
الانجليزيات ارتداءه. اما الفرنسية مدموازيل جين
ماريكو فكانت
تجلسبجانب إحدى النوافذ تنظر إلى الخارج وهي تتثاءب
من حين لآخر او تدير بصرها إلىالمرأتين بضيق وملل ..
وكانت مسز هيذرنجتون ومسز بيكر قدامضيتا بضع ليال تحت
سقف
فندق سان لويس فتم بينهما التعارف، وذلك ان مسز كالفين
بيكر
بسجيتها الأمريكية المتآلفه كانت لا تفتأ تتحدث إلى اي
انسان بسماحةوانطلاق.
وبرز في مدخل القاعه فرنسي تبدوعليه سمة رجال الأعمال
، ثم ارتد عنها راجعا حين رآها تكاد تبدو خالية وقد ألقى على
جين ماريكو نظرة اسف .
فأخذت مس هيذرنجتون تعد الغرز التيطرزتها ،
ثم همست تخاطب نفسها :
- والآن ماهو نوع الغرزة التاليه؟!
ووصلت امرأة اخرى ، طويلة القامةحمراء الشعر فأطلت على
الغرفه
وبدا عليها التردد قليلا ثم استدارت تسير في الممشى
إلى قاعة الطعام .
فانتبهت مسز كالفين ومس هيذرنجتونمما كانتا فيه ودارت
مسز بيكر حول المكتب الذي تجلس إليه وهمست في صوت
به رنة منالانفعال :
- أرأيت يا مس هيذرنجتون هذه المرأهذات الشعر الأحمر التي
أطلت على الغرفة ثم انصرفت ؟ انهم يقولون انها الوحيدة التي
نجت من كارثة الطائره التي سقطت في الاسبوع الماضي .
- لقد شاهدتها تأتي بعد ظهر اليومإلى الفندق في عربة الإسعاف .
- لقد اخبرني المدير أنها وصلت منالمستشفى رأسا.
ترى هل من الحكمة ان تخرج من المستشفى بمثل هذه السرعه
وهي التيكانت مصابة بارتجاج في المخ؟!
- إن ببعض أجزاء وجهها شريطا لاصقامن أثر إصابتها
بالزجاج المهشم فيما اظن . إنها لمحظوظه إن نجت منالحريق.
فقالت مسز كالفين :
- يالها من مسكينه عانت الأهوال. ترى هل كان زوجها معها ؟
وهل لقي حتفه ام نجا من الموت ؟!
- لا أظن فقد ورد في الصحف انه لمينج من ركاب الطائره الا
امرأه واحده دون أن يشيروا إلى أن زوجها كان بصحبتها .
- هذا صحيح ، وقالوا أنها تدعى مسزبيفرلي. كلا كلا ،
بل مسز بيترتون.. نعم هذا هو اسمها .
فقالت مس هيذرنجتون وهي تفكر متأمله :
- بيترتون ؟ آه هذا يذكرني بماقرأته عنه في الصحف ،
نعم إني متأكده من ان هذا هو اسمه.
وقالت الآنسة ماريكو تخاطب نفسهابالفرنسيه :
- ألا تباً لبيير ! إنه لا يحتملولا يطاق ! لكن الصغير جولز
لطيف والأب ذو مركز مرموق ، فليكن ! لقد اتخذتقراري.
وفي خطى رشيقه متأنقه غادرتمدموازيل ماريكو قاعة الاستقبال.
*****
بعد ظهيرة ذلك اليوم الذي ماتت فيهمسز بيترتون ، وكانت قد
مرت خمسة ايام على كارثة الطائره ، خرجت مسز توماس
بيترتونالمزعومه من المستشفى مستقله إحدى سيارات
الإسعاف إلى فندق سان لويس وهي تبدو شاحبةالوجه عليله ،
تبدو على وجهها الضمادات والأربطة والشريطاللاصق.
واتصلت هيلاري باستعلامات الفندقوسألت عما اذا كانت هناك
رسائل باسمها فأجيبت بالنفي .
كان عليها وهي تنتحل شخصية اوليفبيترتون ان تتصرف
بحرص وحذر وأن لا تقدم على اية خطوه إلا بعد تأن ورويه.
إن من المحتمل ان تكون اوليفبيترتون قد تلقت تعليمات
بأن تتصل بتليفون معين او شخص معين في كازابلانكا فأنى
لهاان تهتدي إلى ذلك؟!
إن كل مالديها لا يعدو جواز سفراوليف بيترتون و
خطابها الخاص بالاعتماد المالي، ودفتر تذاكر السفر الصادر من
شركةكوك السياحية، وإخطارات الحجز بالفنادق ،
وهذه عباره
عن يومين في كازابلانكا وستةايام في فزان ،
وخمسة ايام في مراكش.
وطبعا انقضت هذه الايام وفات موعدهابسبب حادث
الطائره لكن لا بد ان هناك من سيجددها مرة اخرى فعليها ان
تنتظر وتترقب . أما خطاب الضمان المالي وجواز السفر ،
فقد تولى امرهما مستر جيسوب فذيل الخطاببتوقيع مزور
لأوليف بيترتون ونزعت من الجواز صورة اوليف وحلت
محلها صورة هيلاريكرافن .
وهكذا استقر الأمر لهيلاري كرافنوعليها ان تؤدي دورها
باطمئنان،
وإذا ألفت نفسها موشكه ان تنزلق إلى مأزق فليس اسهلمن ان
تتشبث بطوق النجاة فتزعم أنها فقدت ذاكرتها أو بعض ذاكرتها
نتيجة لإصابتهابارتجاج في المخ.
ولاذت هيلاري بغرفتها اربعة ساعاتكامله إذ المفروض
لمن كان في
مثل حالتها لم يغادر المستشفى إلا منذ لحظات أن يتريحويستجم .
ولكنها خلال هذه الساعات جعلت تستعيد إلى ذهنها كل
ما لقنته عن
حياة أوليفبيترتون من دقائق وتفصيلات حتى لا تفاجأ بسؤال
تعييها الإجابة عليه فتنكشف خدعتهابانتحال شخصية غيرها.
واخيرا تجملت قليلا ونزلت إلى قاعةالطعان لتناول العشاء.
وما إن تراءت في مدخل القاعة حتى انتهبتها الأنظار من
كل صوب
وفطنت إلى همسات خافته ترددت في أرجاء القاعه ،بل قد تبادرت
إلى سمعها بعض العباراتترددها الحاضرات.
واتت إمرأه قصيرة القامه متوسطة العمر تميل إلىالبدانه
وسحبت مقعدا ادنته منها وأنشأت تكلمها بلهجة امريكيه واضحه:
- معذرة إن طرحت عليك سؤالا . ألستانت السيدة التي نجت
بمعجزه من كارثة الطائره؟
نحت هيلاري المجلة التي كانت تتصفحها وقالت :
- نعم .
- ياإلهي ! كانت كارثه رهيبه ! يقال ان ثلاثة فقط هم
الذيننجوا
من الحادث ، اليس كذلك ؟!
- بلاثنان ، فقد مات أحد الثلاثة في المستشفى.
- رباه .. إني لم اسمع بهذا بعد يا مس .. يا مسز ...
فقالت هيلاري:
- مسز بيترتون .
- لكن ، اين كان مقعدك عند وقوع الحادث ؟! أعني في مقدمة
الطائره
ام عند ذيلها؟!
وكانت هيلاريقد لقنت الرد على هذا السؤال وهي
تتلقى دروس
التعليمات التي قد تحتاج إليها فيانتحال شخصيتها
الجديدة فردت:
- بل فيالمؤخره .
- إنهم يقولون إن هذا اسلممكان في الطائره إذا ماوقع لها حادث ..
إني دائما اصر على الجلوس فيالمؤخره.
ونظرت إلى سيدة اخرى متوسطةالعمر انجليزية السمات تجلس
بالقرب منها ، فقالت تخاطبها :
- أسمعت هذا يا مس هيذرنجتون؟! تماما كما كنت اقول لك
بالأمس .
يجب ان تصممي على الجلوس في مؤخرة الطائرة مهما حاولت
المضيفه ان تغريكبالجلوس في المقدمة.
فردت هيلاريببساطه :
- ولكن لا بد للبعض ان يجلسفي المقدمه .
- على اية حال لن اكونانا من هذا البعض.
ثم اردفت :
- إني ادعى مسز بيكر .. كالفن بيكر .. إني امريكيه الجنسية
وقد وصلت لتوي من مونكادور ، أما مس هيذرنجتون فجاءت
من طنجهوقد تم التعارف بيننا هنا ... ترى هل تنوين السفر
إلى مراكش يا مسزبيترتون؟!
فردت هيلاري :
- هذا فعلا ما كنت انوي ، ولكن الحادثافسد الترتيبات .
- طبعا طبعا .. لكنيجب ألا تفوتك زيارة مراكش ..
ألا تقريني على هذا يامسهيذرنجتون؟!
فردت مس هيذرنجتون :
- ولكن مراكش باهضة التكاليف وقيودتحويل النقد تزيد
الأمر صعوبه ومشقة.
فأكملت مسز بيكر :
- إن فندق ( المأمون ) من الفنادق الفاخره ، فيمكنك انتنزلي فيه .
فانبرت مس هيذرنجتون تقولمعترضه:
- لكن اسعاره مرتفعه لا تحتملولا يمكن ان يخطر لي ان
انزل فيه اما انت يا مسز بيكر فالأمر بالنسبة إليك
يختلف إذلا قيود عليكم معشر الأمريكيين في تحويل
ما تشاؤون منالدولارات.
فتابعت مسز بيكر متسائله:
- وهل تنوين يا مسز بيترتون زيارةبلاد اخرى؟!
- في نيتي زيارة فزان ،ولكن لا بد طبعا ان اجدد الحجز في الفندق.
- طبعا فزيارة فزان او الرباط ينبغي ان لاتفوتك.
- وهل سبق لكزيارتهما؟!
- ليس بعد ، ولكني ذاهبهإليها قريبا وكذلك مس هيذرنجتون.
وقالتمس هيذرنجتون:
- اعتقد ان الحي القديملا يزال على حاله لم تفسده المدينه.
واستمر الحديث على هذا النحو برهة من الوقت ،
ثم استأذنت
هيلاري في الانصراف متذرعة بالتعب ، إذ كان هذا هو اول يوم
غادرت فيه المستشفى ،وصعدت إلى مخدعها .
ترى، هل كانت هذهالاسئلة التي وجهتها إليها مسز بيكر
مجرد حديث عابر ام استجوابا مقصودا له هدفمبيت؟!
ومهما يكن فقد قررت هيلاريكرافن ان تمضي في اليوم
الثاني الى شركة كوك وتجدد الحجز في فزان والرباط ،
وذلكمالم يتصل بها اخد العملاء ليلقي إليها بتعليمات اخرى .
وفي اليوم التالي لم تتلق أي خطاب او رسالة تليفونيه وماشارفت الساعه على الحادية عشرة حتى كانت في مكتب السياحه متخذة مكانها في الطابورالطويل المصطف امام الشباك .
واخيرا ،حان دورها وبدأت تحدث كاتب الحجز
عما تبغي ، ولكن رئيسه بادر إليها من وراء مكتبهقائلا:
- دعيني اولا اهنئك على نجاتكيا مسز بيترتون .
اما عن الحجز فقد نفذت فعلا تعليماتك التليفونيه ،
وهاهي التذاكرجاهزه.
تسارعت نبضات قلبها .. إنها لمتتصل بشركة كوك
ولمتعهد إلى
احد بالاتصال بها . إذن فالترتيبات الخاصة بسفر مسزاوليف
بيترتون إنما تنظم بمعرفة شخص آخر مجهول .
وقالت :
- لقداتيت بنفسي لأني خشيت ان يكونوا قد اغفلوا الاتصال بكم.
وفي صباح اليوم التالي كانت مسز هيلاري كرافن في
طريقها إلىفزان .
الفصل السادس :